وهبة الزحيلي

167

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

معروفة ، متواصلة ، متقارب بعضها من بعض ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها ، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل ماء ولا زاد ، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ، وهي قرى ظاهرة ، أي بينة واضحة يعرفها المسافرون ، لبنائها على هضاب عالية . وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلناها محطات متعاقبة ذات مقادير متناسبة بحسب ما يحتاج المسافرون إليه ، فيقيلون في بلد ، ويبيتون في آخر ، إلى أن يصلوا إلى الشام . سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ أي وقيل لهم بلسان المقال أو الحال : سيروا في تلك القرى ليالي وأياما آمنين مما تخافون في السير ليلا ونهارا ، لا تخشون جوعا ولا عطشا ولا عدوا يهددكم . ثم بطروا تلك النعمة ، فقال تعالى : فَقالُوا : رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أي سئموا النعمة ، فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار ، وقالوا : ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي نسافر إليها مفاوز وقفارا ، ليركبوا فيها الرواحل ، والتزود بالزاد والماء ، إظهارا للتمايز الطبقي والتكبر والتفاخر على الفقراء والعاجزين ، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج اللّه لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ، مع أنهم كانوا في عيش رغيد بالمن والسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس ، كما طلبوا أن يفصل بين القرى بمفاوز وقفار لأغراض حربية ، وهذا غاية الانتكاس على الفطرة ، والإمعان في تدمير مظاهر الحضارة والتمدن والحياة الهانئة ، لذا وصفهم اللّه بأنهم ظلموا أنفسهم إذ عرضوها للسخط والعذاب ، وعاقبهم اللّه على بطرهم النعمة وكفرهم باللّه ، فقال : فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي جعلناهم عبرة لمن يعتبر ،